الحلبي

403

السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )

وعند ذلك خرج طلحة والزبير رضي اللّه عنهما على فرسين وخرج إليهما علي كرم اللّه وجهه ، ودنا كل واحد من الآخر . فقال لهما عليّ : لعمري لقد أعددتما خيلا ورجالا وسلاحا ، فاتقيا اللّه ولا تكونا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثاً [ النحل : الآية 92 ] ألم تكونا : أخويّ في اللّه تحرمان دمي وأحرم دمكما ؟ فقال له طلحة رضي اللّه عنه : ألبت الناس على عثمان ، فقال له علي كرم اللّه وجهه : أنتما خذلتما ، حتى قتل ، فسلط اللّه اليوم على أشرنا على عثمان ما يكره ، ثم توافقوا على الصلح ، وقتل من كان له دخل في قتل عثمان رضي اللّه عنه . وبات الفريقان على ذلك . وبات الذين أثاروا أمر عثمان بشر ليلة وباتوا يتشاورون . ثم اتفقوا على إنشاب الحرب ، فلما كان وقت الغلس ثاروا ووضعوا السلاح ، فثار الناس ، فخرج طلحة والزبير في وجوه الناس . وقالا : ما هذا ؟ قالوا : طرقنا جيش عليّ فقالا : علمنا أن عليا غير سيفه حتى يسفك الدماء ، ويستحل الحرمة : فقام علي كرم اللّه وجهه في وجوه الناس . وقال : ما هذا ، قالوا : طرقنا جيش عائشة . فقال : لقد علمت أن طلحة والزبير غير سفيهين حتى يسفكا الدماء ويستحلا الحرمة ، ونشبت الحرب فألبسوا هودج عائشة رضي اللّه عنها الدروع ، ووقفت على الجمل ، وصار كل من أخذ زمامه قتل ، وقتل طلحة رضي اللّه عنه جاءه سهم غرب يقال أرسله له مروان بن الحكم وهو كان في جيش أم المؤمنين . وفر الزبير رضي اللّه عنه لما قال له علي كرم اللّه وجهه : يا زبير أتذكر لما قال لك رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : إنك تقاتلني وأنت ظالم لي ؟ فقال : واللّه لو ذكرت ذلك ما قاتلتك ولا سرت سيري هذا ، ولكن رجوعي عين العار فقال له علي كرم اللّه وجهه : ترجع بالعار ولا ترجع بالنار ، فترك وذهب ، وصار الهودج مثل القنفذ من كثرة النشاب . فعند ذلك عقروا الجمل ، ووقع الهودج على الأرض ، وجعلت تقول عائشة رضي اللّه عنها : يا بني اتبعنه اتبعنه . وعند ذلك قال علي كرم اللّه وجهه لمحمد بن أبي بكر رضي اللّه عنهما ، انظر أختك هل أصابها شيء ؟ فلما جاءها وأدخل يده ، قالت : من أنت ؟ قال : ابن الخثعمية ، قالت : محمد ؟ قال نعم . قالت : بأبي أنت وأمي ، الحمد للّه الذي عافاك . وفي رواية قال لها : أخوك محمد البار ، فقالت : بل مذمم العاق فضرب عليها فسطاطا ، فلما كان من آخر الليل خرج بها ، وأدخلها البصرة وأنزلها في دار صفية بنت الحارث أم طلحة الطلحات ، وبكت عائشة رضي اللّه عنها بكاء كثيرا وقالت : وددت أني مت قبل هذا اليوم بعشرين سنة . وقد قال علي كرم اللّه وجهه مثل ذلك لما رأى من كثرة القتلى ، فقد قيل : إن القتلى بلغت عشرة آلاف ، وقيل ثلاثة عشر ألفا .